يُمثّل الشاعر المغربي أحميدة بلبالي إحدى أهمّ الشخصيات في المشهد الثقافي المغاربي، وقد تميزت تجربته الشعرية بتكاملها الفكري ومنهجيتها الصارمة التي تجاوزت حدود الإبداع العفوي. فبلبالي، الذي جمع بين التكوين الأكاديمي في الرياضيات والموهبة الشعرية، لم يكتفِ بإنتاج قصائد زجلية، بل أسّس مشروعاً يهدف إلى تثوير الدارجة المغربية والارتقاء بها لتصبح أداة فنية قادرة على استيعاب التعقيدات الوجودية والفلسفية. إن دراسة تجربته تستلزم تفكيك العلاقة الجدلية بين خلفيته العلمية ومنطقه الإبداعي، وكيف أفرز هذا التداخل منهجاً مميزاً يختلف عن تجارب مجايليه.
1. المنطق المتحكم: الرياضيات كآلية بلاغية
تشكل خلفيته العلمية باعتباره مفتشاً ممتازاً لمادة الرياضيات محدداً أساسياً في بناء منهجه الإبداعي. فالاشتغال الرياضي يدرّب العقل على التفكير التجريدي والمنطق السببي وهندسة البُنى. وقد أسقط بلبالي هذا النظام على المادة اللغوية، محوّلاً الدارجة من لغة تلقائية إلى لغة فنية “مصنَّعة” خاضعة لخطط دقيقة للتطوير.
آليات تثوير الدارجة (النقل والتحويل)
يرتكز منطق اللغة الزجلية لديه على مبدأي النقل والتحويل:
- تحرير الدلالة: بنقل الألفاظ من معناها المباشر في لغة العامة إلى معناها المجازي داخل السياق الشعري.
- إنتاج الصورة البِكر: عبر اعتماد الانزياح في بناء المفردات والتراكيب، مما يخلق صوراً مجازية جديدة وجُملاً تتجاوز المألوف.
2. الهندسة المعمارية للقصيدة: الانبناء المشهدي
أتاح التكوين الرياضي للشاعر القدرة على استثمار التفكير الهندسي في صياغة القصيدة. يقوم البناء الدلالي عنده على منطق سببي تتابعي:
- مشاهد متسلسلة: حيث يُجزّأ المعنى إلى وحدات صغيرة تُبنى بالتتابع.
- الوحدة والتكامل: فالقصيدة تُقدَّم كـ “مشهد كلي” يتطلب من القارئ إعادة تركيب الروابط الأسلوبية والدلالية بين الأجزاء.
- جدلية المتناقضات: ويتجلّى العمق الفلسفي في خلق وصل جمالي بين المتضادات (مثل شمس الما أو برية في كف الريح) بما يفتح المعنى على احتمالات لا نهائية.
3. التحول الوجودي: من الأداة إلى الغاية
يمتد مسار بلبالي من ديوان لسان الجمر (2004) إلى مسلف من النسيان خطواتي (2023) ضمن مشروع شعري موحّد ومتجانس. ويمكن ملاحظة تحوّل جوهري في خطابه:
- الهاجس الوجودي: انتقال من الانشغال بثورة اللغة (كأداة) إلى مساءلة الوجود الإنساني (كهدف).
- الثنائيات الرمزية: هيمنة ثنائيات عميقة مثل الحضور/الغياب، النسيان/التذكر، الماضي/الحاضر.
4. الدور التنظيمي والامتداد المغاربي
لا يقتصر تأثير بلبالي على إنتاجه الشعري، بل يمارس دوراً تنظيميًا وثقافيًا واسعاً؛ فهو عضو مؤسِّس للاتحاد المغربي للزجل، كما يدير منصة رقمية تُعد “مختبراً نقدياً حيوياً” لنشر القصائد الصوتية والدراسات. ويسهم هذا العمل في تعزيز دوره كـ “سفير ثقافي” يربط حداثة الزجل المغربي بالتجارب التونسية والجزائرية، داعماً فكرة “وحدة الهاجس الحداثي” في العامية العربية.
الخلاصة
تجربة أحميدة بلبالي مشروع فكري ومنهجي متكامل، يبرهن أن القصيدة الزجلية الحديثة لا تقل عمقاً عن الشعر الفصيح، وتلتقي معه في القضايا الفنية والفلسفية. ويعود تفرد هذه التجربة إلى قدرة صاحبها على مزج المنطق الرياضي الصارم بالخيال الشعري الرحب، مما رسّخ مكانته كأحد أبرز مؤطّري الزجل الحداثي.
عابد بلبالي
