حديث المساء عن الشعر والشعراء المغاربة

وثيقة إحاطة: رؤى في الشعر المغربي المعاصر والعصر الرقمي

ملخص تنفيذي

تقدم هذه الوثيقة تحليلاً معمقاً للرؤى والأفكار التي طرحها الشاعران المغربيان أحمد بلبالي ودليلة فخري حول الشعر المغربي المعاصر، ودور الشاعر، وتأثير العصر الرقمي. يبرز التحليل رؤيتهما المشتركة كجزء من تجربة حداثية تهدف إلى تحديث القصيدة العامية المغربية (الزجل)، والارتقاء بها لتصبح لغة شعرية عالمية لا تختلف عن الشعر المكتوب بلغات أخرى إلا في أداتها اللغوية (الدارجة المغربية).

تتناول الوثيقة الانقسام الواضح في وجهات النظر حول دور وسائل التواصل الاجتماعي؛ فبينما يراها بلبالي كأداة للتعريف والإشارة لوجود الشاعر وليست منصة لتقديم الفعل الثقافي العميق، تعتبرها فخري وسيلة ثورية كسرت الحواجز أمام الشعراء وسهلت وصولهم إلى الجمهور، بل وأدت لظهور جيل جديد يفضل النشر الإلكتروني على الورقي. كما تسلط الوثيقة الضوء على الوظيفة الجوهرية للشعر، والتي تتجاوز الوزن والقافية التقليديين لتركز على خلق “دهشة” جمالية لدى المتلقي من خلال الصورة الشعرية والتركيب الفني المبتكر. وأخيرًا، تستعرض الوثيقة أهمية المهرجانات الشعرية كجسور للتواصل الثقافي والإنساني، وتلخص المسارات الإبداعية الفردية للشاعرين، والتي تعكس تطوراً من الالتزام بالقضايا المجتمعية إلى استكشاف أعمق للأسئلة الوجودية والجمالية والإنسانية.

——————————————————————————–

1. تحديث الشعر العامي المغربي (الزجل): رؤية حداثية

يُعرّف الشاعران أحمد بلبالي ودليلة فخري نفسيهما كجزء من تجربة جديدة في المغرب تهدف إلى تحديث القصيدة العامية، المعروفة بالزجل. تقوم هذه الرؤية الحداثية على عدة أسس:

  • الزجل كشعر عالمي: يؤكد بلبالي أنهم يكتبون “زجلاً لكن بنظرة حداثية”، بحيث لا تختلف القصيدة الزجلية عن أي قصيدة شعرية أخرى مكتوبة بالفصحى أو الفرنسية إلا في اللغة المستخدمة. المبدأ الأساسي هو أن “الشعر هو شعر بجميع اللغات”.
  • الارتقاء باللغة العامية: تشير فخري إلى أن لغة الزجل ليست هي اللهجة اليومية المستخدمة في التواصل العادي، بل هي “لغة أخرى” سامية يتم الارتقاء بها “إلى مراتب ومقامات الشعر”. الهدف هو تحويل لغة الشارع إلى أداة فنية قادرة على حمل رؤى وجودية وجمالية عميقة.
  • تجاوز المفهوم التقليدي: تؤكد فخري أن القصيدة الزجلية المغربية الحديثة ليست “مجرد كلام مرصوف بالعامية فقط”، بل هي شعر مكتمل بكل مقوماته الفنية التي تجعل من النص نصاً شعرياً.
  • جذور تاريخية: يشير بلبالي إلى أن كتابة الزجل في المغرب تمتد جذورها إلى زمن الأندلس، مما يمنح هذه التجربة المعاصرة عمقاً تاريخياً.

2. دور الشاعر وعلاقته بالمجتمع

تظهر الوثائق رؤية مركبة لدور الشاعر وعلاقته بالواقع والأحداث العامة، حيث يوازن بين الالتزام والانفصال.

  • الارتباط بالواقع: تؤكد فخري أن “الشاعر مرتبط ارتباط كبير بالأحداث بما يحدث في الشارع العام”، وأن الشاعر هو “أول من يكتوي بهموم شعبه وهموم الإنسان بشكل عام”. وتستشهد بحضور القصيدة القوي في الأزمات والثورات، مثل الثورة المصرية.
  • التعبير غير المباشر: رغم تأثرها العميق بالأحداث، توضح فخري أن التعبير عن مواقفها قد لا يكون بالضرورة عبر الشعر، بل قد يأتي في شكل مقال أو تدوينة على فيسبوك، حيث تميل في شعرها إلى “الرؤية الجمالية والنفس الفني”.
  • الشعر كملجأ: ترى فخري أنه في مقابل الانغماس في الواقع، للشاعر “عالمه الخاص” الذي يهرب إليه من هموم الواقع. فالشعر هو ملاذ وملاذ.
  • من الصرخة إلى الفن: يصف بلبالي ديوانه الأول “لسان الجمر” بأنه كان “صرخة” ناتجة عن فترة سياسية حرجة في المغرب. ومع تطور تجربته، أدرك ضرورة تطوير أدواته الفنية وعدم الاكتفاء بطرح القضايا فقط.

3. الشعر في العصر الرقمي: الفرص والتحديات

يقدم الشاعران وجهتي نظر متباينتين حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على المشهد الشعري.

وجهة نظر أحمد بلباليوجهة نظر دليلة فخري
وسيلة تعريف لا تقديم: يرى أن هذه المواقع (انستغرام، سناب شات) هي “فرصة للتعارف أكثر منه تقديم” للعمل الإبداعي. هي فضاءات “سريعة جداً ووامضة جداً” لا يمكن أن تكون بديلاً للفعل الثقافي الحقيقي.كسر الحواجز: ترى أن فيسبوك بشكل خاص “كسر الحواجز التي كانت قديماً أمام الشاعر” وسهل “كثيراً الوصول إلى الجمهور”.
بوابة للبحث: المقاطع القصيرة المنشورة تعمل كإشارة لجعل المهتمين يبحثون عن أعمال الشاعر الكاملة في أماكن أخرى، مثل الكتب أو المواقع الرقمية المتخصصة.منصة اكتشاف: تعترف بأنها مدينة لهذه المنصات، حيث تعرفت من خلالها على عدد كبير من الشعراء المغاربة والعرب المبدعين الذين لم تكن لتعرفهم لولاها.
فجوة جيلية: يعترف بأن جيله ليست لديه “ثقافة كبيرة” في التعامل مع هذه المنصات مقارنة بالشباب الذين نشأوا فيها، مع تأكيده على ضرورة استغلالها.جيل النشر الإلكتروني: تشير إلى ظهور ظاهرة جديدة لشعراء من “الحساسية الجديدة” يرفضون النشر الورقي ويتمسكون بحقهم في النشر الإلكتروني، خاصة على فيسبوك.
لا يمكن إهمالها: على الرغم من تحفظاته، يؤكد أنه “لا يمكن إهمالها أيضاً لأنها فرصة للتواصل والتعريف”.الإيجابيات تفوق السلبيات: تقر بوجود جانب سلبي، لكنها تؤكد أن “منافعها أكبر” من مضارها.

4. ماهية الشعر ووظيفته الجمالية

يتفق الشاعران على أن جوهر الشعر يكمن في وظيفته الجمالية التي تتجاوز البنية الشكلية التقليدية.

  • تجاوز الوزن والقافية: ترى فخري أن النقاش حول كون الشعر “كلام موزون مقفى” هو نقاش قديم تم تجاوزه. وتؤكد أن غياب الوزن “لا يفقد ذلك النص شعريته”، مستشهدة بثورة قصيدة التفعيلة.
  • المقومات الجمالية البديلة: عند الاستغناء عن الوزن والقافية، يعتمد الشاعر على مقومات أخرى مثل:
    • الصورة الشعرية: “الشعر في النهاية هو رسم بالكلمات”.
    • دهشة التركيب: وهو مصطلح تراهن عليه الحساسيات الجديدة، حيث يقوم الشاعر بتركيب عناصر بسيطة بطريقة تخلق “نوع من الدهشة” لدى المتلقي.
  • الوظيفة السامية للشعر: يوضح بلبالي أن وظيفة الشعر ليست إيصال رسالة مباشرة أو وظيفية، بل هي “وظيفة جمالية تسمو بروح المتلقي”. ليس مطلوباً من المتلقي أن يفهم القصيدة بقدر ما هو مطلوب أن “تصل القصيدة إلى روح المتلقي”.
  • صعوبة الإبداع الشعري: يصف بلبالي الشعر بأنه من “أصعب أنواع الأدب” بسبب المساحة الضيقة المتاحة للشاعر، والتي تتطلب تكثيفاً كبيراً وخلفية ثقافية وفنية واسعة. الشاعر هو أول وأقسى ناقد لنفسه.

5. الجيل الشعري الجديد والإبداع المستمر

يُبدي الشاعران تقديراً كبيراً للجيل الجديد من الشعراء الشباب في المغرب والوطن العربي.

  • نفس شبابي عميق: تنوه فخري بوجود “نفس شبابي عميق جداً وجميل جداً” لدى الجيل الجديد.
  • حساسية جديدة: تصف الجيل القادم في المغرب بأنه “جيل قادم بقوة” ويحمل “حساسية جديدة”، حيث ينحت في “مكامن الجمال في القصيدة”.
  • رؤية مختلفة: يمتلك هذا الجيل رؤية مختلفة للعالم والوجود والإبداع.
  • الإيمان بالإبداع: تؤكد فخري أن هذا الجيل “يؤمن بالإبداع وبالشعر أكثر من إيمانه بالنشر أو الشهرة أو الأضواء”، ويركز على “عمق القصيدة”.

6. تجارب شعرية شخصية ورؤى فنية

يقدم الشاعران لمحات عن مسيرتيهما الإبداعية وأعمالهما التي تعكس تطور رؤيتهما الفنية.

  • أحمد بلبالي:
    • البدايات: بدأ كتابة الشعر لتعويض “الفراغ الذي تركه غياب السينما” في قريته.
    • ديوان “لسان الجمر”: كان عمله الأول بمثابة “صرخة” تعبر عن فترة سياسية حرجة، وشكل جواز سفره إلى عالم الشعر.
    • التطور: دفعه خلفيته في مجال الرياضيات إلى البحث وتكوين ثقافة نقدية وأدبية، مما أدى إلى تطوير أدواته الشعرية.
    • ديوان “برية الريح”: ديوانه الرابع القادم، يمثل تجربة أخرى.
    • قصيدة “شمس والماء”: تمثل نقلة في تجربته من هيمنة المضمون إلى تحقيق مزيج متوازن بين الشكل والمضمون.
  • دليلة فخري:
    • تواضع فني: تصف نفسها بأنها “نقطة ضئيلة جداً في بحر ممتد” من الشعر.
    • الدواوين الثلاثة: كل ديوان يمثل تجربة مختلفة:
      1. الديوان الأول: يمزج بين القصائد الغنائية، قصائد الحب، وقصائد الوطن.
      2. الديوان الثاني: يتمحور حول رؤية وجودية للموت.
      3. الديوان الثالث: تجربة إنسانية كونية تتناول شخصية من التراث المسيحي لـ “تذويب الحدود ما بين الحضارات والثقافات”.
    • الديوان الرابع: عملها القادم يمثل “عودة إلى الحب وعودة إلى الاحتفاء بالجمال”.

7. أهمية الملتقيات والمهرجانات الشعرية

يؤكد الشاعران، اللذان يشاركان في “الملتقى العربي للشعر العامي” بالشارقة، على الدور الحيوي لهذه الفعاليات الثقافية.

  • تفاعل وجسور إبداعية: هذه الملتقيات هي مناسبة “للتفاعل بيننا كعرب” و”لفتح جسور إبداعية”.
  • تطوير التجارب: تعتبر فرصة لتبادل الخبرات وتطوير التجارب الشعرية الفردية.
  • نشر المحبة والجمال: هي فرصة لـ “خلق جسور محبة ما بين الشعوب” و”مشروع لنشر الجمال”.
  • الاهتمام بالشعر العامي: تعتبر فخري مبادرة الشارقة “قيمة للغاية” لأنها تهتم بالشعر العامي الذي لم يأخذ حقه من الاهتمام مقارنة بالشعر الفصيح.
  • التبادل الثقافي: تتيح هذه المهرجانات فرصة لإعطاء صورة عن المشهد الثقافي في بلدان مختلفة، وفي هذه الحالة، تسليط الضوء على “التجربة المغربية في إماراتنا”.