الريادة في تحرير القصيدة الزجلية المغربية إلى فضاء الحداثة العالمية

يُعد الشاعر الزجلي المغربي أحمد لمسيح شخصية مفصلية في مسار تطور الزجل المغربي الحديث، حيث تجاوز دوره حدود الإبداع الفردي ليلامس التأسيس المؤسساتي والنقدي. وتكتسب الشهادة القيمة والمفصلة التي قدمها الأستاذ احميدة بلبالي في ملتقى الشعر بخنيفرة يومي 14 و 15 أبريل 2017 أهمية مرجعية بالغة، إذ سلطت الضوء على لمسيح بوصفه قامة شعرية أسست لمرحلة جديدة في تاريخ هذا الفن. وقد حددت الشهادة ثلاثة مرتكزات محورية تجعل الاهتمام به واجباً: مغامرته في إصدار أول ديوان زجلي مغربي مستقل، تحرير الزجل من وظيفته التقليدية، واختياره الواعي للانتماء إلى “الشعر لا الشعار”.
يهدف هذا التقرير إلى تجاوز التوثيق السردي لتلك الإسهامات إلى تحليلها النقدي وتأصيلها الجمالي، مع تحديث سجل إنجازاته بعد عام 2017. ويركز التحليل على كيفية نجاح لمسيح في نقل القصيدة الزجلية من مجرد تعبير شعبي أو نص وظيفي (موسيقي/مسرحي) إلى نص حداثي عميق ومكتمل الأركان، قادر على دخول فضاءات الاعتراف الأكاديمي والرسمي الرفيع، وهو ما تجلى لاحقاً في فوزه بأرفع جائزة وطنية.
القسم الأول: المغامرة التأسيسية (1976) وفلسفة الحداثة الزجلية
لقد قام المشروع الشعري لأحمد لمسيح على قطيعة مزدوجة، فصلت الزجل ليس فقط عن استخدامه الأداتي، بل عن مرجعيته الجمالية التقليدية، لربطه مباشرة بالحداثة العالمية.
“رياح… التي ستأتي”: بيان التأسيس الشعري (1976)
شكل إصدار أول ديوان زجلي مغربي مستقل بعنوان “رياح… التي ستأتي” سنة 1976، لحظة تأسيسية حاسمة في تاريخ الزجل.1 وصف هذا الفعل بـ “المغامرة” التي وحدها تكفي للاحتفاء به، إذ كان بمثابة حدس للرياح التي حملت تجربة الزجل المغربي نحو الريادة والحداثة التي وصلتها اليوم. كانت الخطوة تهدف إلى تحرير الزجل من كونه مجرد نص وظيفي مرتبط بأغراض أخرى كالموسيقى والمسرح. فبظهور هذا الديوان كعمل مستقل، أصبح الزجل “موضوع ذاته”، مما فتح آفاقاً واعية للكتابة وحمل أسئلة جمالية وفكرية جديدة لم تكن مطروحة من قبل.
المرجعية المعرفية: الانتماء للحداثة العالمية لا الموروث المحلي
إن الرهان على تحديث القصيدة الزجلية لم ينبع من فراغ، بل من خلفية معرفية واعية. يؤكد لمسيح أن خلفيته الثقافية لا تستلهم التراث المحلي حصرياً، بل تستلهم التراث الإنساني.3 على الرغم من عشقه للملحون والعيطة، فإنه يعتبر نفسه “خريّج قصيدة التفعيلة ومسحوراً بالسيّاب وخليل حاوي ويوسف الخال وسليم بركات”، كما يتأثر بـ “الحداثة، مع أدونيس وماياكوفسكي ووايتمان وعزرا باوند وغيرهم”.3 هذا الربط الواعي بين اللغة الدارجة والمرجعية الشعرية العالمية يمثل قطيعة جوهرية مع التصور التقليدي للزجل.
هذه الرؤية الواعية لمرجعية الكتابة تجعل الشاعر يغامر بالكتابة بالعامية ولكن بخلفية معرفية منفتحة.3 وقد لخص موقفه المزدوج والمنفتح بقوله الشهير: “الدارجة ولدتني والعربية ربَّـتْني”.3 إن ما رآه البعض في المشهد النقدي تخريباً للزجل المغربي، كان في نظر لمسيح “تحديثاً للكتابة”.3 لقد نقل الزجل من حالة الانفعال السياسي أو الاجتماعي (الشعار) إلى حالة المرافعة الفنية والفلسفية (الشعر)، مما يبرر لاحقاً دخوله إلى معترك الدراسة الأكاديمية المقارنة.
تحليل مفهوم “اختيار الخسارة”: الانتماء للشعر لا الشعار
يتمثل الانتماء الجذري للشعر عند لمسيح في ما أسماه “اختيار الخسارة”. هذا الاختيار هو لحظة فارقة حيث تحول الشاعر عن الشعار المرتبط بالتحريض وضغط الجمهور، مفضلاً “قلق الكتابة وسؤال الشعر على الاستجداء للتصفيق”. إن اختيار الخسارة، في هذا السياق، هو انتصار لطقس الشعر وصوت الذات على الإملاءات الخارجية.
يوضح لمسيح أن يكون المرء زجالاً في المغرب يعني “أن تنتحر- أو على الأقل تختار الخسارة”.4 ويرجع ذلك إلى أن المتلقي، سواء كان جمهوراً عاماً ينتظر صدى “لصراخ الجماهير الصامت” أو بعض الأساتذة الجامعيين “القابعين في التراث”، يطالب الشاعر بأن يستخدم “مادة القارب التي يريد هو” و”يجذف كيفما أراد هو”.3 بالتالي، فإن “اختيار الخسارة” هو رفض لهذا الإملاء، ومقاومة لـ “الدركي-المتلقي” الذي يحاول قمع الإبداعية.4 إن لمسيح لم ينسحب من المشهد، بل قام بإعادة تعريف شروط الاعتراف؛ فهو يطالب المؤسسة بالاعتراف بشعرية اختياره الحر، وليس بما يوافق توقعاتهم التقليدية.
القسم الثاني: لمسيح والمغامرة المؤسساتية: الريادة في ترسيخ الاعتراف الثقافي
لم تقتصر إسهامات لمسيح على ريادة الإبداع الشعري، بل امتدت إلى خدمات مؤسساتية وثقافية واسعة. لقد مثل نموذجاً فريداً للشاعر الذي وظف مكانته الإدارية لخدمة مشروع التغيير الجمالي.
استثمار الموقع الرسمي (وزارة الثقافة واتحاد كتاب المغرب)
شغل لمسيح مناصب رفيعة ومؤثرة في الهياكل الثقافية المغربية، حيث كان أستاذاً للأدب العربي، وكاتباً عاماً لاتحاد كتاب المغرب سابقاً، ثم تولى مسؤوليات كبيرة في وزارة الثقافة كمستشار للوزير ومفتش عام للوزارة (من مارس 2001 إلى أكتوبر 2005).1 لقد وظف تواجده في هذه المسؤوليات لخدمة الزجل، وعمل على تأسيس الملتقيات الخاصة به وساهم في دفع وزارة الثقافة لدعمها.
لحظة “آفاق” الحاسمة: إقرار بتكامل الشعرية
من أبرز إنجازاته المؤسساتية كان استثمار علاقاته ومكانته لإصدار عدد خاص من مجلة “آفاق”، التي يصدرها اتحاد كتاب المغرب، وقد خُصص هذا العدد للزجل. مثلت هذه الخطوة لحظة اعتراف حاسمة بانتماء الزجل إلى “الثقافة العالمة”. الأهم من ذلك، أنها شكلت إقراراً رسمياً بتكامل الشعر المكتوب بالفصحى والدارجة على أساس شاعريتهما الجوهرية، متجاوزة بذلك التقسيم الهرمي الذي كان يضع العامية في مرتبة أدنى. هذا الإجراء الإداري كان في جوهره تتويجاً لمرافعته الجمالية، حيث استخدم الشرعية الإدارية لفرض الشرعية الجمالية الجريئة، متجاوزاً بذلك الصراع التقليدي بين الشاعر الحداثي والمؤسسة المحافظة.
دور لمسيح في دفع الزجل نحو العالمية
كان للمسيح فضل في التعريف بالتجربة الزجلية المغربية وإخراجها من بعدها المحلي إلى البعد العالمي الرحب. لقد تحققت هذه العالمية عبر عدة مسارات، منها المشاركات الخارجية واقتراح أسماء زجلية مغربية على منظمي الملتقيات الدولية، مما أدى إلى تلاقح وتفاعل عربي ودولي.
وقد ساهمت ترجمة أعماله إلى لغات عدة (مثل الفرنسية، الهولندية، الإنجليزية في أمريكا، والإسبانية) في إبراز القيم الفنية لقصيدة الزجل المغربي.1 هذه الترجمة لم تتوقف عند أعماله الشخصية، بل نقلت “أعين الترجمة” إلى أسماء زجلية مغربية أخرى، ليصبح الرابح في النهاية هو المتن الزجلي المغربي ككل. وقد ثبت هوية الزجل المغربي في الخريطة الشعرية العالمية كجنس أدبي مستقل، وليس مجرد امتداد للتراث الشعبي المغاربي.
القسم الثالث: التحولات النصية المتأخرة: من “توحشت راسي” إلى “أنا ماكاينش”
يتميز لمسيح بكونه شاعراً متجدداً باستمرار، لا يستكين لنص سابق، بل هو “طفل مشاغب دائم يكتب ويغامر”، يؤمن بأهمية الاختلاف على أساس الجودة. وقد كشفت مسيرته النصية عن مسار حداثي متصاعد، ينتقل من الذات الملتزمة إلى الذات المتأملة والمنحلة.
دينامية التحول الفكري في الدواوين
إن تتبع عناوين دواوينه يكشف عن هذا التحول الدائم والانعطافات الدلالية:
| عنوان الديوان | المنعرج الدلالي/النقدي |
| رياح التي ستأتي (1976) | حدس المبدع ومغامرة الخرق للمتداول وتأسيس استقلالية الزجل. |
| شكون طرز الما؟ (1994) | بروز الشعرية الخاصة والجدة في التركيب، وإنتاج انزياحاته الخاصة في الدارجة. |
| توحشت راسي (1999) | العودة للذات والانطلاق منها، وهو من مقومات القصيدة الحداثية. |
| كلام آخر | انعطاف جديد، يعلن فيه الشاعر عن رؤية مختلفة عن تجربته السابقة. |
| أنا ماكاينـش (بعد 2004) | ذروة قتل المؤلف وإعطاء الحياة للنص (توقيع القصيدة: “أنا بلا بيكم نيت مكاينش”). |
| توهم أنك عشقت (بعد 2017) | الانخراط في مدارات التخييل والنزوع العرفاني (تناص مع المحاسبي). |
| جزيرة ف السما (2023) | التركيز على التجربة النصية/الفلسفية والفوز بجائزة المغرب للكتاب. |
ذروة الحداثة: “أنا ماكاينش” (قتل المؤلف والانتماء للحساسية الجديدة)
يمثل ديوان “أنا ماكاينش” لحظة نقدية عليا تتسق مع مسار الحداثة الشعرية العالمية. ففي هذا الديوان، يعلن الشاعر بشكل صريح “قتل المؤلف” وإعطاء الحياة للنص، مؤكداً انتماءه إلى حساسية جديدة. ويتجلى ذلك بوضوح في توقيع القصيدة بعبارة: “أنا بلا بيكم نيت مكاينش”.5 هذا المسار النصي هو رحلة من رفض الذات الجماعية (الشعار) إلى البحث عن الذات الفردية (توحشت راسي)، وصولاً إلى تفتيت هذه الذات لصالح الوجود النصي، مما يثبت أن لمسيح لم يقتصر على تحديث اللغة فقط، بل نقل القصيدة الزجلية لتناقش أسئلة الحداثة الكبرى المتعلقة بالهوية والوجود النصي.
النزوع الفلسفي والعرفاني في المراحل الأخيرة
في دواوينه الأخيرة، بدأ لمسيح يكشف عن انتصاره لكيفية كتابة القصيدة الزجلية، متبنياً تياراً يولي “أهمية قصوى للتعبير على حساب التجربة”، أو بعبارة أدق، خلق “تجربة نصية” مخالفة لتلك التي تربط الشاعر بالواقع الخارجي، والتي قد تودي بجمالية القصيدة.6 يندرج هذا ضمن ما يمكن تسميته بـ “الجمالية المعرفية”.
يتضح هذا الاتجاه في ديوان توهم أنك عشقت الذي يتناص بذكاء مع كتاب المحاسبي “توهم أنك مت”، وهو انتقال إلى مدارات التخييل والاستشراف.6 أما ديوانه الأخير جزيرة ف السما، فيندرج ضمن ورشة إبداعية مفتوحة على ما هو معرفي وفلسفي. ويحتوي النص على تناصات عميقة مع النفري، وماياكوفسكي، وإليوت، والسياب.6 هذه الأعمال تحول الزجل إلى وعاء للأفكار الفلسفية والعرفانية، وليست مجرد نقل للعواطف اليومية، مؤكداً بذلك الأساس الذي وضعه لمسيح لدراسة الزجل كقصيدة عالمة (Culture Savante).
القسم الرابع: قمة الاعتراف: جائزة المغرب للكتاب 2023 والإرث المكتمل
إن إنجازات لمسيح لم تتوقف عند حدود الشهادة التي قدمت عام 2017، بل تواصلت لتصل إلى ذروة الاعتراف الوطني، مؤكدة انتصار مشروعه الشعري.
تتويج ريادة الزجل: الفوز بجائزة المغرب للكتاب 2023
في تتويج تاريخي لمسيرة طويلة من المرافعة، أعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل فوز أحمد لمسيح بجائزة المغرب للكتاب في صنف الشعر لسنة 2023.7 وكان الديوان الفائز هو “جزيرة ف السما”.7 هذا التتويج يمثل انتصاراً مزدوجاً؛ فهو اعتراف شخصي بلمسيح، كما أنه انتصار للمشروع الزجلي الحداثي الذي يتبناه. وتُعد جائزة المغرب للكتاب أرفع تقدير وطني 7، وقد ارتفعت قيمتها المادية آنذاك لتصل إلى 200 ألف درهم 7، مما يضاعف من قيمتها الرمزية كإقرار رسمي بأن الزجل المغربي الحداثي قد وصل إلى مستوى النضج الفني الذي يجعله يكافئ الشعر المكتوب بالفصحى.
دلالة الاعتراف وإغلاق حلقة المرافعة
إن الفوز بالجائزة الكبرى يغلق حلقة الاعتراف التي بدأت بـ “اختيار الخسارة” ورفض التصفيق الشعبي.4 فبينما كان لمسيح يرى أن الزجالين ما زالوا “في مرحلة المرافعة” أمام الناقد أو المتلقي التقليدي 4، جاء هذا التتويج ليمثل إجابة حاسمة من قبل المؤسسة الثقافية، حيث تم تكريم الجودة الفنية والتجربة النصية المعقدة (التعبير أسبق من التجربة) 6 على حساب التوقعات التقليدية. هذا يؤكد انتصار “طقس الشعر وصوت الذات” الذي راهن عليه لمسيح. كما أن فوزه بجائزة الشعر تحديداً يرسخ معايير نقدية جديدة تقيّم الزجل بناءً على الجمالية والبنية الفكرية.
استمرارية النشاط والتفاعل الثقافي
بالإضافة إلى الجائزة، يستمر لمسيح في الحضور الفاعل والمؤثر في المشهد الثقافي. ففي عام 2020، احتفى بيت الشعر في المغرب بديوانه بِينْ وْبِينْ.9 كما أنه واصل المشاركة في الفعاليات الكبرى، مثل مشاركته في “ليالي رمضان” بدار الشعر بتطوان عام 2024، مما يثبت استمرار مكانته كصوت شعري فريد يمتد زخمه الثقافي على عقود.9
القسم الخامس: الحضور الأكاديمي والتوثيق النقدي: لمسيح كمتن دراسي
لم يكتف لمسيح بالدعوة للزجل، بل قام بـ “هندسة” النص الزجلي ليصبح مؤهلاً للدراسة الجامعية المعمقة، مما أدى إلى تحول متنه إلى مادة خصبة للبحث الأكاديمي.
تأسيس البحث الأكاديمي في الزجل
إن دخول الزجل إلى الجامعة لم يكن أمراً سهلاً، وقد سبقته مراحل تأسيسية هامة. ففي عام 1969، قدم الأستاذ عباس الجراري أطروحته الجامعية بعنوان “الزجل في المغرب (القصيدة)”.11 ورغم أهمية هذه الأطروحة في شرعنة دراسة الموروث الزجلي (الملحون)، إلا أن لمسيح أشار إلى أن الفضل في لفت الانتباه إلى البحث في الزجل في “حداثته” يعود إلى أساتذة حداثيين جاؤوا بعد الجراري 3، مستحضراً رسالة الشاعر حسن نجمي في الثمانينات تحت إشراف الأستاذ محمد برادة.3
أطروحة مراد القادري: تحويل المتن الزجلي إلى ممارسة نصية
تعتبر أعمال لمسيح سبباً مباشراً في انخراط البحث الأكاديمي حول الزجل في مستويات عليا. وكانت أول رسالة دكتوراه متخصصة حول تجربته هي التي أنجزها الأديب مراد القادري بجامعة فاس.3 نال القادري درجة الدكتوراه في 7 ديسمبر 2012 بميزة مشرف جداً مع توصية بالطبع.12
كان العنوان الدقيق لهذه الأطروحة: “جمالية الكتابة في القصيدة الزجلية المغربية الحديثة، الممارسة النصية عند أحمد لمسيح”.12 وتكمن الأهمية الجوهرية لهذه الأطروحة في أنها مثلت أول دراسة أكاديمية معمقة تتناول متناً زجلياً حداثياً كـ “ممارسة نصية” و”جمالية كتابة”، وليس فقط كقضية لغوية أو تراثية. هذا الأمر يثبت أن الزجل قد اكتسب التعقيد الهيكلي والجمالي الذي يكافئ متطلبات التحليل النقدي الحديث.
| الباحث | عنوان الأطروحة/العمل | التاريخ التقريبي | الأهمية في مسار الاعتراف |
| عباس الجراري | الزجل في المغرب (القصيدة) | 1969 | التأسيس الأكاديمي لدراسة التراث الزجلي (الملحون). |
| حسن نجمي | أطروحة (تحت إشراف محمد برادة) | الثمانينات | لفت الانتباه للبحث في الزجل في مرحلة تطوره وحداثته. |
| مراد القادري | جمالية الكتابة في القصيدة الزجلية المغربية الحديثة، الممارسة النصية عند أحمد لمسيح | 2012 | أول دكتوراه متخصصة في تحليل متن زجال حداثي كمتن أدبي (انتصار للشعر المغربي). |
يمثل المسار الزمني لتحقيق شرعية الزجل (من الجراري 1969، إلى لمسيح 1976، وصولاً إلى القادري 2012) دليلاً على أن لمسيح هو الحلقة الفاصلة التي أنتجت المتن الشعري القادر على الصمود أمام النقد الأكاديمي المتخصص، مما أرسى الزجل كحقل فرعي أصيل ضمن دراسات الأدب المغربي المعاصر.
القسم السادس: أحمد لمسيح الإنسان: الصورة التكاملية للمبدع المؤسس
تكتمل صورة أحمد لمسيح بتقديم الجوانب الإنسانية والشخصية التي رافقت ريادته الثقافية. فقد جمع الشاعر بين كفاءة القائد الثقافي وعمق المبدع المتواضع.
يوصف لمسيح بـ “بساطة الكبار” و”الكرم حد الحاتمية”. ويُعرف عنه قدرته الخارقة على التسامح، حيث يكرر دائماً مقولة “الله يسامح”. هذه الصفات الإنسانية تمنح بعداً إضافياً لدوره المؤسساتي الكبير.
كما أبان لمسيح عن كفاءة عالية في لجان التحكيم واللجن العلمية لتنظيم الملتقيات، مما يعكس قدرته على المبادرة والقيادة الفعالة. والأهم من ذلك، دوره كـ “مشجع للطاقات الشابة ومنصت للتجارب”، مما يدل على انفتاحه وحداثته الفكرية التي يطبقها في تعامله مع الأجيال الجديدة. ويوصف بأنه “حداثي في حياته كما في فكره وكتاباته”. هذا التكامل بين الحداثة في الحياة والجرأة في الكتابة جعل منه نموذجاً ريادياً متكاملاً للمثقف المغربي الذي ينجح في اختراق النظام التقليدي.
الخلاصة والتوصيات: إرث لمسيح وإدامة التجديد
يمثل الشاعر أحمد لمسيح ظاهرة ثقافية فريدة؛ فهو الشاعر الحداثي الذي نجح في تحقيق التوازن بين المخاطرة الجمالية (فلسفة “اختيار الخسارة” و”قتل المؤلف”) والمسؤولية الثقافية المؤسساتية (جلب الاعتراف الأكاديمي والرسمي للزجل). لقد كانت مغامرته في نشر أول ديوان زجلي مغربي (1976) هي الأساس الذي مكن الزجل من الانفصال عن وظيفته التقليدية ليصبح نصاً شعرياً صافياً.
إن تتويجه بجائزة المغرب للكتاب في صنف الشعر عام 2023 عن ديوانه جزيرة ف السما 7 هو تأكيد نهائي وعلني لانتصار هذا المشروع الطويل. وهو اعتراف بأن الزجل المغربي، عندما يتبنى مرجعيات حداثية وفلسفية عميقة (كالتي ظهرت في مرحلة توهم أنك عشقت و جزيرة ف السما)، يصبح مؤهلاً لأرفع أشكال التكريم الوطني، مما يضع علامة فارقة في تاريخ الزجل المغربي الحديث ويغلق حلقة المرافعة بنجاح.
التوصيات:يوصي التحليل النقدي بضرورة استمرار البحث الأكاديمي، وخاصة في المراحل النصية المتأخرة لتجربة أحمد لمسيح (ما بعد 2017)، للتعمق في دراسة دواوينه ذات النزوع العرفاني والفلسفي.6 ويجب التركيز على كيفية تطويره للغة الزجلية لتكون وعاءً قادراً على استيعاب أسئلة الميتاشعرية والتأمل الوجودي، وتأصيل أثر تجربته في دفع الأصوات الجديدة، وخاصة أصوات “الأنثى المتمردة” 4، نحو وعي أكبر بمرجعياتها الثقافية والعالمية.
